انطلاقًا من مقولة: (الأدب ليس ركامًا من النّصوص المفردة، وإنّما هو مجموع ما بينها من علاقات)؛ جاءت معظم تعريفات الجنس الأدبي، فالجنس الأدبي -أيا كان- هو نتيجة لحوار طويل بين النصوص ينتهي بإرساء قواعد ذلك الجنس وتحديد ماهيته، ولما كان السرد دعامة بارزة في معظم النصوص عبر التاريخ، والسّرد “لا ينتمي في جوهره فقط إلى المجال الأدبي، ولكنه ينتمي إلى مختلف الأشكال التواصلية الشفوية أو المكتوبة، إذ يظهر في الكلام وتبادل الكلام، وفي وسائل الإعلام، فإنه يمكن اعتباره حالة بيولوجية ستظل ترافق الإنسان الذي يوجد باستمرار في حاجة إلى التبليغ والحكي والسرد”(١). والسرد -في الواقع- ليس ثابتًا أو مغلقًا في وضعيته وطريقة اشتغاله؛ لأنه مرتبط بأنظمة عديدة، مثله مثل الجنس، فإنه يتعالق مع نصوص كثيرة وفنون إبداعية وأدائية مختلفة.
فالحكاية الشّعبيّة لم تكن جنسًا سرديًا صافيًا أبدا، وإنما تخللتها خطابات أخرى؛ كان للشعر فيها حضوره الأكبر، سواء أكان شعرًا شعبيًّا أم كان من فنون شعبية أخرى حاملة لنفحة الشعر، مثل القصة الشّعريّة أو الحكاية الشّعبية المنظومة، والكلام السّجيع، والأغاني والأهازيج الشّعبيّة، وهذا أمر طبيعي فسرود الحكاية الشعبية تتداخل مع سرود أخرى لأجناس شّعبيّة، كما يحصل في تداخل الأسطورة مع الحكاية الخرافيّة، أو تداخل الحكاية الخرافية مع الحكاية الشّعبيّة، وقد تتداخل الحكاية الشّعبيّة -أيضا- مع الألغاز، ومع الحكاية المثليّة، والسّيرة الشّعبيّة، والملاحم، وغيرها؛ “فهذا الجنس الأدبيّ يتداخل بقوّة مع أجناس أخرى تقترب منه ويصعب تمييزها عنه، كما يصعب وضع حدود له”.(٢)
وعامة، فالسّرد الحكائيّ العربيّ قد يطعّم بعض مفاصله بالشّعر؛ لذا جاءت الحكايات الشّعبيّة السّعوديّة -بالتّحديد- متضمّنة مقاطع شعرية، وربما مرد ذلك إلى أنّ الحكاية الشّعبيّة السّعودية حريصة على أن تشعر القارئ أو السّامع بجوها الواقعي حينما تكون شخصية البطل فيها من الشعراء، ثم تمتزج الأحداث بالشّعر لتأكيد واقعيتها دعمًا وإثباتا، يقول مدون الحكاية الشعبية عبد الكريم الجهيمان: “إن المعتاد بين أفراد الشعب أن يمزجوا في قصصهم الشعبية بين القصة (…)
والشّعر، فالفارس إذا حكيت قصته فإنها تكون مصاحبة بشيء من شعره”، ويحصل ذلك، بغض النظر، عن صحة أو عدم صحة ما ورد في الحكاية من أشعار منسوبة إلى الشّخصيّة، فالحكاية الشّعبيّة قد تسمح للموهوبين من رواتها أن ينسجوا حكايات تتناول مواضيع وشخصيّات يعاصرونها وتضيف إليها ما تضيف، ومن هذه النماذج نذكر حكاية: “حميدان الشويعر مع ولده مانع”، وحكاية “المهادي وجاره”، فالحكاية الشعبية لها مرجعية واقعية أي إنها ليست أسطورة أو من صنع خيال، لكنها تنحو بهذا الواقع منحى آخر يتناسب مع غايات السارد ومقاصده، بحيث تنسجم تمامًا مع الشخصية التي اختارها بعناية، فحين يكون البطل شاعرًا يحضر شعره معه دوافعه ووظائفه؛ وأوّل تلك الوظائف الوظيفة الحجاجية التي تستهدف إقناع السامع/القارئ بصدق الحكاية وواقعيتها، فضلًا عمّا يؤديه هذا الحضور من وظيفة فنية تخدم خيال الراوي؛ فالشعر الشعبي المتواتر على ألسنة الناس هو الملهم للراوي الشعبي للإبداع وسرد الأحداث وتفصيلها.
ولما كانت القصيدة لا تصف الأحداث وصفًا دقيقًا فإنّ ذلك ممّا يسمح للراوي بأن يعمد إلى سدّ الثغرات بإضفاء بعض الأحداث التفصيلية، وتوظيف شخصيات إضافية تاريخية حقيقية أو مبتدعة، وتحديد اسم شاعر ينتمي إلى زمن أو موسم بعينه، حتى تكون القصة مكتملة العناصر ومنذورة للذيوع والانتشار، ولعل هذا من أهم دوافع توظيف الشعر في الحكاية الشعبية؛ فالمزاوجة بين الشّعر والسّرد في نماذج من الحكاية الشّعبيّة تؤكد أنّ الحكاية الشّعبيّة تستند على الشعر الذي يشدّ من كيان الحكاية ويجعلها جديرة بالتصديق، وبالسيرورة، فضلا عمّا يضطلع به من وظائف مختلفة.
وقد تتداخل مع الحكاية الشعبية السعودية أنواع شعبية لصيقة بالشعر مثل الأغاني والأهازيج الشعبية، ولما كانت الحكاية قد نبتت من تربة الأمة التي تحتضنها فقد جاءت معبرة عن بيئتها؛ لذا حضرت في الحكاية الشّعبية السعودية المصوّرة لموروث المنطقة هذه الأغاني والأهازيج التي هي ثمرة الإبداع الجمعي الشّعبي في العديد من المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والختان والأعياد، وحتى في المهن وأعمال الحياة اليومية التي كان الناس سابقًا يقبلون إليها بالشعر الغنائي والأهازيج الشعبية، يلتمسون بها التخفيف من الجهد والتعب، وكان حضورها وتداخلها مع نص الحكاية الشعبية السعودية بصور متنوعة في عدد من الحكايات مثل الحُداء في قوافل السفر، وبعض الأهازيج الشعبية التي يرددها الصغار في بعض المناسبات.
والمستخلص عموما؛ هو أنّ الحكاية الشّعبيّة السّعوديّة المكتوبة بالفصحى عبارة عن نصّ جامع أو هي فسيفساء من عناصر كثيرة تنسب إلى أجناس مختلفة، ولا غرو فهي نتاج ذاكرة جمعية غنية بموروثها الشعبي الذي اكتسبته في إطار عوامل متعدّدة، فهذا النوع من الحكايات المتولدة من التناقل الشفوي تكتسب عند كتابتها واندراجها في نص مكتوب خصائص ناشئة من التفاعل مع نصوص وأجناس كتابية وشفاهية مجاورة، فتبدو نصوص الحكاية الشعبية بنصيتها الجامعة نمطًا من العلاقات العلنية أو الخفية التي تربط نصّ الحكاية بغيره من النصوص المضمّنة والحاملة لأصداء من الشّعر، والأمثال، والحكم، وأنماط من الكتابة كالسّجع، وطرائق من التضمين، والاستشهاد، والتداخل مع النصوص المتنوعة، التاريخية منها، والأسطورية، والأدبية وغيرها.



اترك تعليقاً