نُقل عن فيتج شتاين: “حدود لغتي هي حدود عالمي”؛ أي إن ما لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات، يصعب عليّ أن أفكر فيه أو أعيه بوضوح. قد نسمع أن اللغة عاجزة وقاصرة عن التعبير، أو أنها تَخونُنا حين نحتاجها! هكذا قال أحدهم في إصرار عجيب في إحدى مجموعات التواصل حول اللغة.
وقد يكون القصور في بعض لغات الأرض، لكن هذا القول لا ينطبق على لغة وسعت كتاب الله عزوجل، إن اللغة التي تميز بها اللسان العربي حين تكون بيد من يتقنها تكون علامة فارقة، فلو تأملنا القرآن الكريم، نجد اللغة العربية بأعلى طاقتها التعبيرية: رمز، وتشبيه، واستعارة، وقَسَم، وفواصل صوتية، وسياق زمني، وأبعاد نفسية، وروحية، وهنا تحوّلت اللغة إلى معجزة.
نحن نولد بقدرة فطرية على إنتاج اللغة {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [31البقرة]، لكن تطويعها يأتي بالمراس، واكتسابها يتأتى بالتأمل، والقراءة، والإحساس العميق بالكلمة وما خلفها من طبقات ومعنى، وبهذا تتطور شيئًا فشيئا.
من يظن أن اللغة خانته، فليسأل نفسه: هل فهمت أنا ما بداخلي فعلًا؟ هل أعددتُ نفسي كي أقول ما أريد؟!
اللغة هي وسيلة التواصل الأولى مع الذات ومع الآخر، تأتي بعد ذلك لغات أخرى: كالرسم والنحت والموسيقى والإشارة والرموز وغيرها، إن عجزنا عن الغوص في أعماقها، وفهم إمكاناتها، وتسخيرها كما ينبغي، لا يعني ذلك أبدًا أن يُلقى على كاهلها عجز أفهامنا وقصورها عن إدراك إمكاناتها، فاللغة عمومًا والعربية خصوصًا مناط حديثي وتوضيحي هنا، فهي لم ولن تكن يومًا قاصرة.
بدأت مقالي باستشهاد يتناغم مع المتشدقين باستعمالهم المقولات الغربية والأقوال الفلسفية التي لا تخص لغتنا؛ حتى أؤكد على خصوصية لغتنا إذا ما أُسقط خصائص غيرها عليها. فالعربية في أصلها ليست قاصرة؛ فهي نظام مرن، وغني، وذو قدرة خارقة على التشكيل والتعبير، ونحن -غالبًا- لا نصل إلى أعماق المعاني التي تختزنها اللغة؛ لأن وعينا محدود، وتجاربنا قاصرة، ومهارتنا فيها لم تُشحذ بما يكفي، فاللغة بحر، لكننا نسبح غالبًا على السطح.
وعلينا أن ندرك أن اللغة ليست مجموعة من الكلمات فحسب؛ نعبر بها عن ذواتنا، ونستعملها وقت الفضفضة والحاجة، بل هي مرآة الفكر، ولسان العلم، وآفاق المعارف، لكننا لا نرى فيها إلا انعكاس وعينا المحدود، فإن قَصُر وصفنا، أو خاننا التعبير، فليس ذلك لأن اللغة ضيقة أو عاجزة، بل لأن أدواتنا نحن هي التي ما تزال في طور التعلُّم.
وفي بعض الشعر العربي، والأدب العالمي، نجد كيف تتحوّل اللغة إلى حالة إبهار عجيبة حين تُمسَك بأنامل الوعي، وتُروى بعقلٍ حيّ.
قد يقول قائل: إذن، لماذا يُعبّر بالرسم إن كانت اللغة وافية؟! نقول: لأن هناك جملة من المشاعر البشرية تحتاج إلى ألوان، وإلى إحساس ريشة الفنان، ولأن الرسم عالم من المتعة والجمال يحاكي الروح كما يحاكيها الشعر والكلام، ولتحقيق منظومة تكامل اللون والصوت والصورة، وإن كانت هناك تجارب إنسانية ومشاعر معقدة يصعب التعبير عنها بدقة، فإننا نقول أحيانًا: “لا أستطيع وصف هذا الشعور”، وهذا ليس كسلًا لغويا، بل لأن لغة القائل ضعيفة أمام بعض تجليات الروح أو أعماق الوعي، وهذا ما يفسر ميلنا إلى مقطوعة نصية،
سواء أكانت شعرًا أم نثرًا، حين تروي ما في أنفسنا.
فاللغة البشرية، أيًا كانت، نظام رمزي نسعى باستعماله إلى التعبير عن الواقع، وعن الأفكار، وعن المشاعر، وعن المعاني الوجودية.
وأخيرا: هل اللغة عاجزة؟ لا، لكنها تتطور، وتأخذ أشكالا مختلفة، مثل: لغة الجافا، ولغة الأرقام، ولغة الأشكال والألوان، وتظهر مصطلحات جديدة، وتُركّب استعارات، وتُخلق رموز وأدوات تعبير؛ لتواكب حاجات الإنسان المتغيرة، فلو ظهر علم جديد أو ظاهرة جديدة، ستجد اللغة تحاول مواكبتها بخلق مفردات وتراكيب مناسبة، إذن، هي ليست عاجزة بالمطلق، بل هي أداتنا لفهم العالم، وللتواصل، ولحفظ المعارف، ولبناء الحضارات.
إن اللغة، حين تُمنح العقل المتأمل والقلب الحي، قادرة على أن تنقل كل شيء… حتى ما نظنه عصيًا على الوصف.



اترك تعليقاً